محمد هادي معرفة

480

التمهيد في علوم القرآن

على ما كانوا فيه من الضلال ، وتمنّي العودة ليؤمنوا . فانظر أيّها المتأمّل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض ، مع احتوائه على ضروب المعاني ، فيخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ملائمة ، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد ، فخرج من ذكر الأصنام وتنفير أبيه وقومه من عبادتهم إيّاها - مع ما هي فيه من التعرّي عن صفات الإلهية ، حيث لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع - إلى ذكر اللّه تعالى ، فوصفه بصفات الإلهية ، فعظّم شأنه ، وعدّد نعمه ، ليعلم بذلك أنّ العبادة لا تصحّ إلّا له . ثم خرج من هذا إلى دعائه إيّاه وخضوعه له . ثم خرج منه إلى ذكر يوم القيامة وثواب اللّه وعقابه ، فتدبّر هذه التخلّصات اللطيفة المودعة في أثناء هذا الكلام . وفي القرآن مواضع كثيرة من التخلّصات ، كالذي ورد في سورة الأعراف ، فإنّه ذكر فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية ، من آدم إلى نوح عليهما السّلام وكذلك إلى قصّة موسى عليه السّلام حتّى انتهى إلى آخرها الذي هو : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ . وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي